علماء يتعمقون في دراسة الكيمياء العضوية داخل النيازك، ويكشفون عشرات الآلاف من البنى الجزيئية الكربونية

·بواسطة Henderson·Engineering
علماء يتعمقون في دراسة الكيمياء العضوية داخل النيازك، ويكشفون عشرات الآلاف من البنى الجزيئية الكربونية
أبرز النقاط
  • درس العلماء المواد الكيميائية العضوية في النيازك، فكشفوا عن عشرات الآلاف من الجزيئات الكربونية.
  • نيزك مورشيسون هو كوندريت كربوني يحتوي على كميات كبيرة من المواد العضوية.
  • أظهرت الدراسة اختلافات جوهرية في البصمات الجزيئية بين نيزكي مورشيسون وأغواس زاركاس.
  • لا تكشف التقنيات الجديدة التركيب الجزيئي فحسب، بل تتيح أيضًا تصوير بنى جزيئات منفردة.

أجرى العلماء دراسة بالغة التفصيل للمواد الكيميائية العضوية المحفوظة داخل نيزكين، فكشفوا عن عشرات الآلاف من الجزيئات الكربونية، وقدَّموا للمرة الأولى صورًا لتراكيب جزيئات منفردة. وجمع هذا البحث بين علماء من المختبر الوطني للحقول المغناطيسية العالية (MagLab)، وجامعة فلوريدا الحكومية، ومختبر بروكهافن الوطني. واستخدم فريق البحث مطياف الكتلة فائق الدقة في MagLab، والمجهر الذري في بروكهافن، لفحص شظايا نيزك مورشيسون (Murchison meteorite) الذي سقط في أستراليا عام 1969، ونيزك أغواس زاركاس (Aguas Zarcas meteorite) الذي سقط في كوستاريكا عام 2019.

نُشرت نتائج الدراسة في مجلة The Planetary Science Journal.

النيازك بوصفها كبسولات زمنية كيميائية

تعمل النيازك بوصفها كبسولات زمنية كيميائية، إذ تحفظ المواد التي تشكَّلت في مراحل تكوين النظام الشمسي. ويكتسب نيزك مورشيسون قيمة خاصة لكونه كوندريتًا كربونيًا يحتوي على كميات كبيرة من المواد العضوية، وقد خضع لدراسات مكثفة منذ سقوطه. واستخدم التحليل الجديد مطياف FT-ICR الذي يعمل بمجال مغناطيسي قدره 21 تسلا في MagLab، وهو قادر على التمييز بين أعداد كبيرة من المركبات داخل مخاليط بالغة التعقيد. وقام الباحثون بإذابة شظايا صغيرة من النيزك في مذيبات عضوية قبل التحليل. وكشفت هذه التقنية عن تركيب عشرات الآلاف من الجزيئات الكربونية في كل نيزك.

ولا يعني هذا الرقم أن العلماء حددوا عشرات الآلاف من التراكيب الجزيئية الفريدة تمامًا؛ إذ يكشف تحليل مطياف الكتلة في الأساس عن الصيغ الجزيئية الموجودة، في حين قد تتشارك تراكيب جزيئية مختلفة في الصيغة الجزيئية ذاتها.

وفحص بيرسي زاهل (Percy Zahl)، عالم في مختبر بروكهافن، جزيئات منفردة داخل مواد النيزك باستخدام مجهر القوة الذرية عالي الدقة دون تلامس. وتعتمد هذه التقنية على مسبار بالغ الحدة يطفو فوق السطح؛ إذ لا يلامس المجهر الجزيئات فعليًا، بل يقيس التفاعلات بين المسبار والمادة لتصوير بنيتها. فمعرفة التركيب العنصري للجزيء لا تكشف بالضرورة كيفية ترابط ذراته؛ فالترتيبات المختلفة قد تنتج جزيئات تمتلك الصيغة الكيميائية ذاتها لكنها تختلف بنيويًا. وذكر الباحثون أن تصوير جزيء منفرد بنجاح داخل خليط بهذه الدرجة من التعقيد قد يستغرق عملًا شاقًا يمتد من أيام إلى شهور.

وأشار فريق البحث إلى أن هذه هي المرة الثالثة التي يُبلَّغ فيها عن استخدام هذا النوع من المجاهر على مواد نيزكية.

البصمات الكيميائية للنيازك المختلفة

وفَّر هذا المزج للعلماء منظورين متكاملين: يقدم مطياف الكتلة مخزونًا كيميائيًا واسعًا، بينما يكشف المجهر بنى الجزيئات المختارة. وأسفرت المقارنة بين مورشيسون وأغواس زاركاس عن نتيجة مهمة أخرى؛ فعلى الرغم من انتماء النيزكين إلى الفئة نفسها من النيازك الغنية بالكربون وتشابههما الظاهري، إلا أن بصمتيهما الجزيئيتين تختلفان اختلافًا كبيرًا. ولم تتداخل سوى نسبة صغيرة نسبيًا من التراكيب الجزيئية المعقدة بينهما. ويشير ذلك إلى أن الكويكبات الأم لهذه المواد مرت ببيئات كيميائية مختلفة أثناء تشكُّلها وتطورها اللاحق. وتعزز هذه النتيجة الأدلة على أن النظام الشمسي المبكر لم يكن متجانسًا كيميائيًا.

وقد تخضع الكويكبات لمزيج متفاوت من عمليات التسخين والتعديل والتفاعلات المحفزة بالماء وغيرها، تاركةً بصمات كيميائية مميزة تنتهي إلى النقل إلى الأرض. ويعد مورشيسون نفسه قديمًا بصورة استثنائية؛ إذ وصفه الباحثون بأنه لا يقل عمره عن 5.5 مليارات سنة، ما يجعله أقدم من الأرض ويتيح نافذة على المواد التي تشكَّلت قبل كوكبنا.

ولا يثبت هذا الاكتشاف أن الحياة، ولا حتى السلائف المباشرة للحياة، قد جاءت من هذه النيازك؛ بل إنه يُظهر الثراء الكيميائي للمواد خارج الأرض. وتنتشر المركبات العضوية في النيازك على نطاق واسع، ويحفظ بعضها مواد سابقة على المراحل الأولى من تشكُّل النظام الشمسي أو معاصرة لها. وكان نيزك مورشيسون قد وفَّر سابقًا أدلة على حبيبات ما قبل الشمس، وهي مواد دقيقة نتجت قبل تشكُّل الشمس وبقيت محفوظة داخل النيزك. وتصف متحف فيلد في شيكاغو (Field Museum)، الذي يحوز الجزء الأكبر من نيزك مورشيسون، هذا النيزك بأنه أحد أكثر الكوندريتيّات الكربونية دراسةً.

ويدفع هذا العمل البحث في اتجاه أكثر دقة: فلم يعد السؤال مجرد معرفة العناصر والجزيئات التي صمدت، بل بدأ يتعدى ذلك إلى تحديد الشكل الفعلي لجزيئات منفردة قادمة من خارج الأرض. وقد يوفر الجمع بين هذا الرصد الكيميائي وتصوير الجزيئات للباحثين صورة أكثر تفصيلًا لمخزون المواد العضوية في النظام الشمسي المبكر، ويساعد العلماء على فهم أفضل للظروف الكيميائية الأولية التي أدت إلى ظهور الكواكب، وفي نهاية المطاف، إلى نشوء الحياة.

ما تكشفه أبحاث النيازك عن النظام الشمسي المبكر

توفر أبحاث النيازك رؤى عميقة في البيئات الكيميائية للنظام الشمسي المبكر. وتُظهر الخصائص الفريدة لنيزك مورشيسون أن النيازك لا تحفظ المواد التي تشكَّلت في تلك الحقبة فحسب، بل تعكس أيضًا مسارات التطور الكيميائي لكويكبات مختلفة. وتؤكد هذه الاكتشافات التنوع الكيميائي للنظام الشمسي المبكر، وتوفر مؤشرات مهمة لفهم الظروف التي نشأت فيها الحياة. وقد تكون المركبات العضوية داخل النيازك سلائف للحياة، مما يدفع عجلة البحث في إمكان وجود حياة خارج الأرض.

H
حول المؤلف
Henderson