كشفت شركة Anthropic عن أحدث إحصائياتها، والتي تُظهر أن الدور الذي يؤديه Claude في أنشطة البحث والتطوير الداخليّة للذكاء الاصطناعي داخل الشركة يشهد نموًّا متزايدًا ليصبح إجراءً معتادًا. وبحلول شهر أغسطس من هذا العام، بات 26% من أعمال البحث والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي يقودها Claude، في قفزة ملحوظة مقارنة بأقل من 1% في بداية العام، وهو ما يعكس سعي الشركة إلى الارتقاء بعمليات الأتمتة والتعاون إلى مستويات أعلى. كما تُظهر البيانات أنه خلال شهر أغسطس، كان لدى الشركة 30,000 وكيل ذكاء اصطناعي يعمل في الوقت ذاته، يتمتع كلٌّ منها بهويّة مستقلة، وبإمكانه تسلّم المهام عبر نظام مراسلة مشترك، فضلًا عن قدرته على التحقّق من عمل الوكلاء الآخرين وتصحيح أخطائهم، بما يُشكّل شبكة تعاون واسعة النطاق. وتعكس هذه التحوّلات استثمار Anthropic طويل الأمد في رفع مستويات الأتمتة وكفاءة الحوسبة، إلى جانب مواصلة تحسين آليات مراجعة المحتوى والسلامة.
تعريف Anthropic لمستويات الأتمتة وتجسيدها على أرض الواقع
تعتمد الشركة إطار الأتمتة المكوّن من ستّ درجات الذي طرحته Epoch AI لقياس مدى مشاركة الذكاء الاصطناعي، إذ يمتدّ من AL0 (دون أيّ مشاركة للذكاء الاصطناعي) إلى AL5 (استقلالية تامّة). وبحلول شهر أغسطس، أصبح المستوى AL4 (إدارة يقودها الذكاء الاصطناعي) يُغطّي نحو 26% من أعمال البحث والتطوير؛ غير أن المستوى AL5 (الاستقلالية الكاملة) لم يُسجَّل له أيّ حالة مُقاسة فعليًّا، وهو ما يدلّ على أن الأتمتة في مرحلتها الراهنة لا تزال خاضعة لقيود صارمة تتعلّق بالسلامة وقابليّة التحكّم. وبالمقارنة مع البيانات السابقة، عمدت Anthropic إلى تعزيز آليات توزيع المهام والمراقبة بين وكلاء الذكاء الاصطناعي، لضمان مرور كلّ قرار بعمليّات مراجعة فورية، مع تركيز أنظمة المراقبة دون الاتصال على وسم سجلّات المحادثات كلّ أسبوع، ليُحال بعد الفرز عدد محدود فقط من الإدخالات إلى المراجعة البشريّة. وتجسّد هذه المنهجية تمسّك الشركة بضوابط المخاطر الصارمة في الوقت الذي ترفع فيه كفاءة البحث والتطوير.
وفي ما يخصّ توزيع القدرات الحاسوبيّة، أظهرت البيانات التي نشرتها Anthropic أن نحو 6% من قدرات الحوسبة المخصّصة لأبحاث الذكاء الاصطناعي خلال أسبوع العطلة في شهر يوليو خُصِّص لأبحاث السلامة؛ وإذا اقتصر الاحتساب على أعمال البحث والتطوير التي يقودها الذكاء الاصطناعي، فإنّ هذه النسبة تبلغ قرابة 12%. وتوضح هذه الأرقام أنّ الشركة باتت تولي ملفّ السلامة اهتمامًا متزايدًا، في مسعى منها إلى موازنة ذلك مع رفع كفاءة تدريب النماذج واختبارها. أمّا الاستراتيجيّة الأبعد مدى، فتقوم على تأمين مصادر متنوّعة للقدرات الحاسوبيّة وعقد تحالفات تضمن استمرار توسّع أنشطة البحث والتطوير ضمن نطاق قابل للتحكّم.
الحجم المحتمل للطرح العام الأولي وتفاعلات سلسلة القيمة الصناعيّة
في المقابل، تتّجه الأنظار إلى مسارات شركة Anthropic المستقبليّة في أسواق رأس المال. ووفقًا لما أفاد به أشخاص مطّلعون، تعكف الشركة على التحضير لطرح عام أولي يُحتمل أن يكسر الأرقام القياسيّة العالميّة، إذ يُتوقّع أن تجمع ما يصل إلى مئات المليارات من الدولارات، مع تقييم بعد الإدراج قد يقترب من تريليوني دولار. وتُعدّ شركة إنفيديا من أبرز المرشّحين لتكون مستثمرًا مؤسّسًا، إذ يُحتمل أن تضخّ ما يصل إلى 10 مليارات دولار في عمليّة الاكتتاب، ممّا يمنح الطرح دعمًا قويًّا. كما تشير المعلومات المُعلن عنها مؤخّرًا إلى أن المفاوضات لا تزال في طور التعديل، مع إمكانيّة تعديل شروط الاستثمار وهيكل الصفقة بحسب مستجدّات السوق.
كذلك تُظهر Anthropic مستوى عميقًا من الترابط مع سلاسل توريد الرقائق والخدمات السحابيّة. وكانت الشركة قد أعلنت في وقت سابق عن استثمار يتجاوز 100 مليار دولار لصالح AWS، إلى جانب التزامها بشراء قدرات حاسوبيّة تتجاوز قيمتها 30 مليار دولار على مدى عشر سنوات، تعتمد في معظمها على رقائق إنفيديا. وبالإضافة إلى إنفيديا، تُعدّ شركات Google وAmazon وBroadcom من أبرز المستثمرين ومورّدي القدرات الحاسوبيّة لدى الشركة، وهو ما يُسهم في تشكيل منظومة حوسبة متنوّعة عبر عدّة منصّات. ويعكس هذا المشهد طبيعة التفاعل الوثيق بين شركات الذكاء الاصطناعي المتقدّمة وأسواق رأس المال ومورّدي الرقائق والحوسبة السحابيّة، وما لذلك من تأثيرات جوهرية على سلسلة القيمة في قطاع التكنولوجيا العالمي.
وفي الوقت نفسه، أرست Anthropic إطارًا للتعاون طويل الأمد يمتدّ عبر عدّة شركات كبرى. فقد أعلنت الشركة في العام الماضي عن ضخّ أكثر من 100 مليار دولار لصالح AWS في صورة موارد حوسبة سحابيّة طويلة الأمد، فيما دفعت في الوقت نفسه إلى تعزيز قدرات حوسبة بمقياس متعدد الجيجاواط مع شركاء من بينهم Google وBroadcom. وتوفّر هذه الترتيبات التعاونيّة والاستثماريّة دعامة مستقرة من القدرات الحاسوبيّة لنموذج Claude التابع للشركة، وتتيح في الوقت ذاته لمورّدي الخدمات السحابيّة والرقائق من أطراف ثالثة البحث عن مسارات وتجارب جديدة ضمن إطار التعاون طويل الأمد. وبالنسبة إلى المراقبين، تعني هذه التوجّهات أن البحث والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرّد جهد فردي تنهض به شركة واحدة، بل بات يُحرَّك عبر منظومة تجمع كبرى شركات التكنولوجيا حول العالم.
إجمالًا، تكشف المسار التطوّري لشركة Anthropic أن الشركة ترفع كفاءة البحث والتطوير حول رافعة الأتمتة العالية، مستندةً في الوقت ذاته إلى رأسمال ضخم ومصادر متنوّعة للقدرات الحاسوبيّة، استعدادًا لموجة التوسّع التجاري الوشيكة في مجال الذكاء الاصطناعي. وإلى جانب متابعة الفجوة بين المستويين AL4 وAL5، يركّز ردّ فعل السوق على مدى قدرة الشركة على الارتقاء بمستوى الأتمتة ضمن إطار صارم للمراجعة والسلامة، بما يضمن تحويل هذا التقدّم إلى قيمة تجاريّة فعليّة.

